مع انطلاق فصل دراسي جديد في كينيا، تشهد مقاطعة مانديرا حدثًا تاريخيًا هادئًا. فقد التحق طلاب الصف العاشر بالمدارس الثانوية العليا بوصفهم أول دفعة تشكّلت بالكامل في ظل نظام التعليم القائم على الكفاءات.
وفي معظم أنحاء البلاد، يرافق هذا المشهد قلقٌ مألوف بشأن الرسوم الدراسية. أما في مانديرا، فقد أُزيل هذا العبء تمامًا.
فالتعليم الثانوي الحكومي مجاني لكل طفل.
هذا القرار غيّر المشهد الاجتماعي في المقاطعة. فمانديرا منطقة رعوية تدور الحياة فيها حول الثروة الحيوانية؛ الأبقار والإبل والماعز والأغنام ليست مجرد ممتلكات، بل مدخرات وسبل عيش وهوية ثقافية. غير أن سنوات الجفاف المتواصل حطّمت هذا النمط من الحياة. بات هطول الأمطار متقلبًا، والمراعي شحيحة، ومصادر المياه غير موثوقة. ونفقت أعداد كبيرة من الحيوانات، فتبددت ثروات بُنيت عبر أجيال. ومع اختفاء القطعان، انهارت دخول الأسر.
صار توفير الغذاء تحديًا يوميًا، وتحول التعليم سريعًا إلى رفاهية. حتى الرسوم البسيطة أصبحت مطلبًا مستحيلًا. واجه الآباء خيارات قاسية: شراء الطعام أو إبقاء الأطفال في المدرسة، بيع آخر عنزة متبقية أو سحب ابنة من الصف. وغالبًا ما كانت الفتيات أول من يدفع الثمن.
كانت هذه هي الحقيقة القاسية التي واجهتها مانديرا في عام 2022.
خلال ذلك العام الانتخابي، تعهّد حاكم المقاطعة، محمد آدن خليفة، بتعليم ثانوي مجاني لجميع طلاب المدارس الحكومية. بدا الوعد طموحًا—بل غير واقعي—في ظل الجفاف وارتفاع الاحتياجات الإنسانية ومحدودية الموارد. لكن الوعد أُوفي به.
بعد ثلاث سنوات، لا يزال البرنامج قائمًا. أكثر من 20 ألف طالب يلتحقون اليوم بالتعليم الثانوي في مانديرا دون دفع رسوم. في بداية كل فصل، يدخل الأطفال الصفوف بثقة بدل الخوف. لم يعد الآباء يخشون إذلال إعادة أبنائهم إلى المنازل بسبب المتأخرات. والفتيات—اللاتي تحمّلن سابقًا العبء الأكبر للفقر—أصبحت لديهن فرصة أعدل لإكمال تعليمهن.
في منطقة كثيرًا ما ارتبط اسمها بالتهميش، يُعد هذا إنجازًا بالغ الأهمية.
أصبحت مانديرا المقاطعة الوحيدة في الإقليم الشمالي الشرقي السابق التي تطبق التعليم الثانوي المجاني بشكل شامل وتحافظ على استدامته. وهكذا تحوّل التعليم فعليًا إلى أداة حماية اجتماعية—درع يقي الشباب من الصدمات الاقتصادية المتكررة التي تضرب أسرهم. ولهذا تستحق قيادة المقاطعة الإشادة.
لكن الاحتفاء لا ينبغي أن يولّد التراخي.



