الأرجح أن الانزعاج من تطورات لاسعانود لم يقتصر على دعاة الانفصال وحدهم، بل امتد إلى أطراف اعتادت نمطًا من العلاقة بين المركز والأقاليم يقوم على استقلال عملي غير معلن. ووفق أبجديات علم السياسة، فإن إبقاء الأطراف في حالة توتر دائم، وإدارة المجال الوطني بمنطق الأمر الواقع، يفضي حتمًا إلى هشاشة الوحدة. ومع ذلك، تكشف التجربة الصومالية الراهنة مسارًا يتجاوز هذه القواعد التقليدية.
من هذا المنظور، لا تبدو زيارة الرئيس حسن شيخ محمود إلى لاسعانود مجرد مشاركة في حفل تنصيب رئيس ولاية، بقدر ما تبدو محاولة جادة لإقناع الدولة نفسها بأنها ما تزال موجودة. فالمدينة التي كانت، حتى وقت قريب، جزءًا من مشروع صوماليلاند الانفصالي، خرجت من هذا التصنيف بعد معارك 2023، لتعود فجأة إلى القاموس الرسمي تحت مسمى “عاصمة ولاية فدرالية”. انتقال لغوي وسياسي مكثف خلال عامين فقط.
لم تكن معركة لاسعانود معركة خرائط فحسب، بل معركة تعريف: هل هذه أرض قابلة للانفصال أم جزء من دولة موحدة؟ وجاء الجواب عمليًا بإعلان ولاية شمال شرق الصومال، التي لم تكتفِ بالوجود النظري، بل أعلنت انضمامها الرسمي إلى الدولة الفيدرالية، في خطوة بدت وكأنها تقول إن الدولة، رغم كل ما يُقال عنها، ما تزال قادرة على تذكير الجغرافيا بمن يملك الكلمة الأخيرة.
حفل التنصيب نفسه جاء منظمًا على نحو لافت، في مشهد جسّد حضور الدولة بمؤسساتها ورموزها. شارك الرئيس، ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري، وعدد كبير من الوزراء، وقيادات أمنية، إلى جانب سفراء أجانب. مشهد مكتمل العناصر، لا ينقصه سوى أن يقتنع الجميع بأن هذا الحضور ليس استثناءً مؤقتًا، بل سياسة دائمة.
في خطابه، بدا الرئيس حريصًا على إزالة أي لبس، مؤكدًا أن ولاية شمال شرق الصومال ولاية فدرالية كاملة، لا تجربة مؤقتة ولا حالة خاصة. وقد بلغ الخطاب من الوضوح حدًا يجعل سوء الفهم شبه مستحيل؛ فالرسالة كانت مباشرة وحاسمة: هذه ولاية، وتلك دولة، وما عدا ذلك تفاصيل.
أما في الشق الإقليمي، فقد جدّد الرئيس رفضه لأي محاولة خارجية لإعادة تدوير مشروع الانفصال، ولا سيما ما يُتداول عن إسرائيل. وجاء هذا الرفض مصحوبًا بتذكير أخلاقي وسياسي بأن من يواجه عزلة دولية بسبب سياساته العنيفة، ليس في موقع يسمح له بمنح “شهادات استقلال” للآخرين. كما أغلق الرئيس الباب، وبمفتاح كبير، أمام أي حديث عن نقل سكان غزة إلى صوماليلاند، مؤكدًا أن الصومال بالكاد يتعامل مع أزماته الداخلية، ولا يخطط لإضافة أزمات مستوردة إلى قائمته.
لكن الصورة، كعادتها، لم تكن مكتملة. فغياب أربعة من رؤساء الولايات الفيدرالية — بونتلاند، جوبالاند، جنوب الغرب، وهيرشبيلي — أعاد التذكير بأن الفيدرالية الصومالية ما تزال مشروعًا قيد النقاش أكثر منها صيغة مستقرة. غياب يفتح الباب للتساؤل: هل نحن أمام خلافات سياسية عابرة، أم أمام تقليد صومالي راسخ في التعبير عن المواقف؟
وهنا يبرز السؤال الأهم، بعيدًا عن الخطابات والاحتفالات: هل يمكن للاسعانود أن تكون بداية مسار وحدوي جاد، أم مجرد لحظة مضيئة ستُضاف لاحقًا إلى أرشيف “الفرص التي كادت”؟ هل تنجح ولاية شمال شرق الصومال في تثبيت نفسها كنموذج اندماج، أم تتحول إلى عنوان جديد لسجالات قديمة؟


