ملاحظة المحرر:
يُنشر هذا المقال في إطار نقاشٍ مستمر على منصة Dawan Africa، وبوابة إفريقيا . بدأ بمقال رأي سابق للكاتب والمحامي عمر عبد الله «طغي». ويقدّم الكاتب أدناه، الدكتورمحمود عُلُسو، طرحًا مضادًا يتحدى فيه الفرضيات والاستنتاجات الواردة في المقال الأصلي. وانطلاقًا من التزام Dawan Africa بفتح المجال لنقاشٍ مفتوح، صارم وبنّاء، ترحب المنصة بهذه المساهمة ضمن سعيها إلى إتاحة تعددية الآراء حول القضايا الإقليمية والدولية الجوهرية.
يرى مقال الأستاذ عمر عبد الله «طغي» المعنون «السيادة أولًا: حدود ولايات الصومال الفيدرالية في العلاقات الخارجية»، والمنشور على Dawan Africa وبوابة إفريقيا بتاريخ 14 يناير 2026، وبلهجة واثقة، أن الحكومة الفيدرالية الصومالية (FGS) تتمتع بسلطة حصرية ومطلقة في إدارة العلاقات الخارجية، وأن الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي (FMS) لا تمتلك أي دور دستوري أو قانوني في التواصل مع الحكومات الأجنبية.
قد يبدو هذا الطرح تقليديًا في الدول الفيدرالية المستقرة والمكتملة البنيان، لكنه ينهار عند إخضاعه لتمحيصٍ دقيق في سياق الواقع الدستوري الصومالي، وهشاشة مؤسساته، وطبيعة نظامه الفيدرالي غير المكتمل. ولا يسعى هذا التعقيب إلى إضفاء الشرعية على أي سلوك غير دستوري من جانب الولايات الفيدرالية، بل يسلّط الضوء على إخفاقٍ أعمق وأكثر خطورة: الإهمال المزمن، والتقصير في الواجب الدستوري، وتجاوز الصلاحيات من قِبل الحكومة الفيدرالية منذ عام 2012، بما أفقدها الأساس الأخلاقي والسياسي والدستوري للادعاء باحتكار مطلق للسلطة في العلاقات الخارجية.
1. المغالطة المركزية: سيادة مجردة منفصلة عن الواقع
يتعامل تحليل الأستاذ عمر مع الصومال بوصفه دولة فدرالية مكتملة التماسك، مكتملة الدستور، وبسيطرة إقليمية كاملة. وهذا غير صحيح. فالصومال يعمل وفق دستور فيدرالي مؤقت، غير مكتمل وغير مُجاز نهائيًا. والنظام الدستوري لا يزال انتقاليًا؛ ولم تُنشأ المحكمة الدستورية؛ ولم تُحسم ترتيبات تقاسم السلطة والموارد؛ ولم يتحقق التناغم الدستوري بين المركز والولايات. هذه الوقائع ليست ثانوية، بل حاسمة.
إن الدعوة إلى احتكار اتحادي مطلق للسياسة الخارجية دون الاعتراف بهذا النقص البنيوي طرحٌ قانوني ساذج وخطر سياسيًا.
2. القانون الدولي لا يساند هذا الطرح المطلق
يستند الكاتب ضمنيًا إلى مفاهيم كلاسيكية للسيادة وقانون المعاهدات، متجاهلًا شروط تطبيقها. فوفقًا للمادة الأولى من اتفاقية مونتيفيديو، تقوم الدولة على:
1. سكان دائمين،
2. إقليم محدد،
3. حكومة،
4. القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى.
ورغم اعتراف المجتمع الدولي بالصومال، فإن السيطرة الفعلية والامتداد الإقليمي والشرعية التمثيلية لا تزال مجزأة. فالرئيس ورئيس الوزراء لا يمارسان سلطتهما بحرية في ولايات بونتلاند أو جوبالاند أو صوماليلاند، فضلًا عن مناطق واسعة خاضعة لسيطرة حركة الشباب. كما يخضع الصومال للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع وجود قوات دولية وترتيبات أقرب إلى الوصاية. السيادة في القانون الدولي ليست توصيفًا شكليًا فحسب، بل وظيفة فعّالة. وهذا ما يتجاهله التحليل محل النقاش.
3. لا يجوز قراءة المادة 54 بمعزل عن غيرها
يعتمد الكاتب على المادة 54 التي تُسند الشؤون الخارجية للحكومة الفيدرالية. غير أن التفسير الدستوري لا يسمح بالانتقاء. فالمادة 53 تقيّد المادة 54 صراحةً، إذ تُلزم بـ:
• التشاور الإلزامي مع الولايات بشأن المعاهدات والمساعدات والتجارة والمفاوضات الدولية،
• إشراك ممثلي الولايات عندما تمس الاتفاقات مصالحهم،
• اعتبار الحكومة الفيدرالية وصيةً على مصالح الولايات لا بديلًا عنها.
هذه ليست صياغات رمزية، بل قيود دستورية ملزمة. وأي تعامل خارجي يتم دون تشاور يُعد خرقًا للدستور، بغضّ النظر عن الجهة الموقّعة. إن تجاهل المادة 53 ينسف الأطروحة من أساسها.
4. الفيدرالية الصومالية تعاونية لا أوامرية
تنص المادة 50 على أن التعاون والدعم المتبادل هما أساس الفيدرالية الصومالية. وقد صُمّم هذا النظام لمعالجة التشظي لا لإعادة المركزية عبر قرارات فردية. ومع ذلك، أخفقت الحكومة الفيدرالية في:
• استكمال مراجعة الدستور (المتأخرة منذ 2016)،
• مواءمة الدساتير الاتحادية والولائية (المادة 121)،
• تشريع المؤسسات الاتحادية الأساسية، بما فيها القضاء (المادة 105) وهيكل الأمن (المادة 130)،
• حسم الوضع الدستوري لمقديشو/بنادر.
وحكومة تُهمل هذه الواجبات لا تملك مصداقية الاستناد إلى «السمو الدستوري» لإسكات الولايات في ملف العلاقات الخارجية.
5. فيدرالية انتقائية ومعايير مزدوجة
لقد طبّعت الحكومة الفيدرالية نفسها أشكالًا مجزأة من الانخراط الخارجي:
• إدارة شركات تركية لميناء ومطار مقديشو،
• تشغيل جهات أجنبية لبنى أمنية وجباية إيرادات،


