أثار اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند في 26 ديسمبر 2025 موجة واسعة من الرفض الإقليمي والدولي، شملت الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، وتجمع شرق إفريقيا، إضافة إلى عدد كبير من الدول التي جددت التزامها بوحدة الصومال وسلامة أراضيه.
غير أن تداعيات هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها الدبلوماسي الآني، بل أعادت تسليط الضوء على اختلالات أعمق في بنية السياسة الخارجية الصومالية. والأهم من ذلك، أنها أعادت طرح سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: هل يحتاج الصومال إلى مراجعة شاملة لسياساته الخارجية كي يتعامل بفاعلية مع بيئة إقليمية متغيرة ومعقدة على نحو متزايد؟
من منظور الواقعية الكلاسيكية الجديدة، يمكن فهم تحديات السياسة الخارجية الصومالية من خلال تفاعل بعدين مترابطين. الأول خارجي، ويتمثل في إعادة تموضع القوى الإقليمية، وتبدّل التحالفات، واستمرار التهديدات الأمنية. أما الثاني فداخلي، ويتعلق بضعف قدرات الدولة، وتشرذم منظومة الحكم، وتحديات القيادة، واستمرار حالة انعدام الأمن. يعمل الصومال داخل بيئة إقليمية تنافسية تضم إثيوبيا وكينيا ودول الخليج، إلى جانب تعقيدات الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر، إلا أن قدرته على الاستجابة لهذه التحديات تظل مقيدة إلى حد كبير بعوامل الضعف الداخلية.
وقد أضاف الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بعدًا جديدًا لتعقيدات المشهد الأمني الإقليمي الهش أصلًا. فهذه الخطوة لا تمس سيادة الصومال فحسب، بل تؤثر كذلك في المصالح الاستراتيجية لقوى إقليمية رئيسية مثل تركيا ومصر والسعودية، التي تربطها مصالح مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط التجارة البحرية واستقرار القرن الإفريقي. وتكشف هذه التطورات كيف يمكن لإجراءات أحادية من أطراف خارجية أن تقوض الاستقرار الإقليمي وتزيد من حدة التنافس بين قوى تتقاطع مصالحها.
لطالما اتسمت السياسة الخارجية الصومالية بطابع تفاعلي أكثر منه استباقيًا، وهو ما يعكس بوضوح القيود التي تفرضها الهشاشة الداخلية على قدرة الدولة على استشراف التحولات الإقليمية أو التأثير فيها. وللاستفادة من الديناميات الإقليمية بدل الاكتفاء بردود الفعل، يتعين على الصومال مواءمة جهوده الدبلوماسية الخارجية مع مسار بناء الدولة داخليًا. وهذا يتطلب من الحكومة الفيدرالية بلورة استراتيجية واضحة ومتماسكة للسياسة الخارجية، تأخذ في الاعتبار تحولات موازين القوى، وتمنح الأولوية للتعاون مع الدول التي تتقاطع مصالحها الأمنية مع المصالح الوطنية الصومالية.
وتقدم التجارب السابقة دلائل واضحة على طبيعة التحديات القائمة. فمن النزاع البحري مع كينيا، إلى مذكرة التفاهم غير القانونية التي أبرمتها إثيوبيا مع صوماليلاند، وصولًا إلى التطورات الأخيرة مع إسرائيل، تتكرر أنماط السلوك ذاتها. فقد سعت أطراف خارجية، مرارًا، إلى استغلال هشاشة الصومال عبر التعامل المباشر مع إدارات إقليمية، بما يقوض التماسك الوطني ويغذي نزعات الانقسام. ولا تهدد هذه الممارسات سيادة الصومال فحسب، بل تمس كذلك الاستقرار طويل الأمد في المنطقة بأسرها.
لقد حان الوقت لأن يعزز الصومال حضوره السياسي والدبلوماسي. ويتطلب ذلك، داخليًا، تنسيقًا وتعاونًا أوسع بين الفاعلين السياسيين الصوماليين، وخارجيًا، بناء شراكات استراتيجية مدروسة. وفي هذا السياق، قد يسهم التقارب مع محور يضم تركيا ومصر والسعودية في دعم أهداف الصومال بعيدة المدى، ولا سيما في مجالات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والتكامل الاقتصادي.
إن تجاهل الحاجة إلى إعادة ضبط السياسة الخارجية ينطوي على مخاطر جسيمة، من بينها إضعاف قدرة الدولة على ردع النزعات الانفصالية وتعميق حالة الانقسام السياسي. كما أن استمرار التدخلات الخارجية دون ضوابط قد يزيد من حدة الانقسامات الداخلية، ويقوض جهود بناء الدولة. في المقابل، يمكن لسياسة خارجية استباقية ومدروسة وواعية بالواقع الإقليمي أن تعزز قدرة الصومال على حماية سيادته، والحد من التدخلات الانتهازية، واستعادة موقعه كفاعل إقليمي ذي مصداقية.
إن ما تحتاجه مقديشو ليس مجرد تعديلات دبلوماسية محدودة، بل مراجعة استراتيجية شاملة. فمن خلال ربط إصلاحات الحوكمة الداخلية بانخراط إقليمي فاعل، يمكن للصومال أن ينتقل من حالة الهشاشة إلى وضع أكثر صلابة وقدرة على المناورة. ورغم جسامة التحديات الراهنة، فإنها تفتح في الوقت ذاته نافذة لإعادة تعريف علاقات الصومال الخارجية، وتأكيد سيادته، وتوظيف التحولات الإقليمية لخدمة مصالحه الوطنية بعيدة المدى.






