كشف الانقسام الصومالي الحاد حول قرار إلغاء الاتفاقيات الثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة عن هشاشة عميقة في الوضع الداخلي، لا تتعلق فقط بالسياسة الخارجية أو بإدارة العلاقات مع الشركاء الإقليميين، بل تمتد إلى جوهر نموذج الحكم القائم في البلاد. وبغضّ النظر عن صوابية القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء من عدمها، فإن ردود فعل الولايات الفيدرالية عليه كشفت عن خللٍ بنيوي ظلّ يتفاقم بصمت داخل النظام السياسي الصومالي
لم يكن الخلاف في جوهره حول الإمارات بقدر ما كان حول “من يملك القرار”، ومن يحدد حدود الصلاحيات بين المركز والولايات. فقد أظهرت مواقف ولايتي بونتلاند وجوبالاند، الرافضة لقرار الحكومة الفيدرالية، عمق التباين في فهم طبيعة النظام الفيدرالي نفسه، وحدود السلطة السيادية، وآليات اتخاذ القرار في القضايا المصنفة تقليديًا ضمن اختصاص الدولة المركزية، وفي مقدمتها السياسة الخارجية والاتفاقيات الدولية.
اللافت في هذا السجال أن جميع الأطراف—الحكومة الفيدرالية والولايات—استندت إلى فقرات من الدستور الانتقالي لتبرير مواقفها المتناقضة. فالدستور نفسه، الذي يفترض أن يكون مرجعية جامعة، تحول إلى نص قابل لتأويلات متعارضة، تسمح لكل طرف بأن يجد فيه ما يدعم روايته الخاصة. وزادت ولايتا بونتلاند وجوبالاند على ذلك بالاستناد إلى دساتيرهما المحلية، باعتبارها مصادر شرعية إضافية تمنحهما حق الاعتراض أو الاستقلال في القرار.
وهنا تتجلى المشكلة الحقيقية: تعدد المرجعيات الدستورية داخل دولة واحدة. فإلى جانب الدستور الوطني الانتقالي، الذي يتسم كثير من نصوصه بالغموض المقصود أحيانًا إلى حد التناقض، ظهرت دساتير “موازية” للولايات، لا تقل غموضًا ولا حدة، بل تميل في بعض جوانبها إلى تفريغ النظام الفيدرالي من مضمونه، وتحويله إلى مظلة شكلية لتجمع كيانات شبه مستقلة.
هذا الواقع يعكس فشلًا حتى الآن في الاتفاق على مرجعية واحدة للحكم في الصومال، أو على الأقل في التوفيق بين الدستور الوطني الانتقالي ودساتير الولايات. فالعملية الدستورية، التي كان يُفترض أن تحسم هذه الإشكالات عبر استكمال الدستور الدائم، بقيت معلقة لسنوات، بينما استمر العمل بنصوص انتقالية أُنهكت بالتأويل، وبتوازنات سياسية مؤقتة تحولت إلى قواعد شبه دائمة.
لا يمكن إنكار أن واضعي الدساتير المحلية للولايات انطلقوا، في كثير من الأحيان، من هواجس مشروعة. فقد كان الخوف من عودة نظام ديكتاتوري مركزي، يركز السلطة في يد شخص أو فئة واحدة، هاجسًا حاضرًا بقوة في الوعي الصومالي بعد تجربة الدولة العسكرية. لكن ما حدث عمليًا هو أن هذه الدساتير تحولت من أدوات وقاية إلى أدوات تفكيك، وأسهمت في نشوء كيانات “أمر واقع” تنتسب شكليًا إلى النظام الفيدرالي، بينما تمارس صلاحيات لا تقل كثيرًا عن صلاحيات الدولة المركزية، وأحيانًا تتجاوزها في ملفات حساسة.







