دعوني أكون مباشرًا: ما جرى في 25 ديسمبر 2025 لم يحدث في الصومال منذ عام 1969. ناخبون حقيقيون. أوراق اقتراع حقيقية. فرز حقيقي للأصوات. بعد 56 عامًا من المجالس المعيّنة، والمفاوضات القبلية، والصفقات التي تُعقد خلف الأبواب المغلقة، خرج أكثر من 233 ألفًا من سكان مقديشو للإدلاء بأصواتهم فعليًا لاختيار ممثليهم المحليين.
أعرف ذلك لأنني كنت من الذين ساهموا في بناء هذا النظام من الصفر. وأعرف أيضًا أن المنتقدين سيقولون إن 233 ألف ناخب في مدينة يزيد عدد سكانها على ثلاثة ملايين ليس رقمًا مثيرًا للإعجاب. لكنهم بتجاهلون جوهر المسألة تمامًا.
القصة الحقيقية: بناء شيء من لا شيء
عندما تولّى الرئيس حسن شيخ محمود منصبه في مايو 2022، لم يكن نظام الانتخابات في الصومال بحاجة إلى إصلاح فحسب، بل كان غير موجود أصلًا. كان لدينا دستور مؤقت لا يحظى بإجماع، وولايات فيدرالية بالكاد تنسّق مع مقديشو، وحركة الشباب تسيطر على مناطق يعيش فيها ملايين الصوماليين.
المنتقدون الذين يشتكون اليوم من العملية يتجاهلون عمدًا البديل الذي كان مطروحًا: جولة جديدة من الاختيارات غير المباشرة القائمة على المحاصصة القبلية، حيث يقرّر سماسرة النفوذ في غرف الفنادق من سيمثل مجتمعات لم يزوروها يومًا.
ما قمنا به فعليًا هو الآتي: جمع المجلس الاستشاري الوطني؛ الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء في أكثر من عشرة اجتماعات بين يونيو 2022 وأغسطس 2023. وكنت أشغل منصب أمين سر المجلس بحكم عملي مديرًا لمكتب رئيس الجمهورية. لم تكن تلك اجتماعات شكلية لالتقاط الصور، بل مفاوضات شاقة للتوصل إلى تعديلات دستورية تُمكّن من إجراء انتخابات حقيقية.
أُحيلت التفاهمات إلى لجان مراجعة الدستور، التي صاغتها في شكل تعديلات دستورية رسمية. ناقش البرلمان هذه التعديلات وعدّلها وأقرّ أربعة فصول دستورية. ثم بدأت المرحلة العملية: إعداد قانون اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود، وقانون التنظيمات السياسية، وقانون الانتخابات العامة. وكنت من بين الكتّاب الرئيسيين في القوانين الثلاثة.
لم يكن هذا عملًا نظريًا. كان علينا إنشاء سجل للناخبين في بلد لا يمتلك معظم سكانه وثائق هوية رسمية. وكان علينا رسم دوائر انتخابية في مدن لا تتطابق فيها الحدود القبلية مع الأحياء. وكان علينا وضع آليات للطعن والشكاوى في مجتمع اعتاد حل النزاعات عبر الشيوخ، لا المحاكم.
لماذا قاطعت المعارضة؟
لنواجه الحقيقة: عدد من قوى المعارضة قاطعت انتخابات مقديشو. قالت إن العملية تفتقر إلى الشمول، وطعنت في الإطار القانوني، واعتبرت الجدول الزمني متسرعًا.
ما لا يقولونه هو أنهم قاطعوا لأنهم كانوا يعلمون أنهم سيخسرون.
الشخصيات نفسها التي تطعن اليوم في العملية أُتيحت لها فرص المشاركة في المفاوضات الدستورية. دُعيت إلى اجتماعات رفيعة المستوى بالتوازي مع اجتماعات المجلس الاستشاري الوطني. كان بإمكانها تقديم ملاحظاتها خلال مراجعة البرلمان. وكانت ممثلة داخل البرلمان حين نوقشت القوانين الانتخابية. لكنها انتظرت حتى تبيّن لها أن حزب العدالة والتضامن يمتلك دعمًا شعبيًا حقيقيًا، ثم أعلنت فجأة أن النظام برمّته غير شرعي.
إنه سيناريو مألوف: تشارك حين تعتقد أنك ستفوز، وتقاطع حين تدرك أنك لن تفعل، ثم تقول إن النتائج لا تُحتسب.
أما الاعتراض على التوقيت فهو اعتراض غير صادق. نعم، تحرّكنا بسرعة بعد استكمال الإطار القانوني، لأن الصوماليين سئموا الانتظار. كل تأخير يمنح المعرقلين فرصة لإفشال العملية. وكل إرجاء يرسل رسالة بأن الحكومة غير قادرة على الإنجاز. وضعنا جدولًا زمنيًا، تأخر مرات عدة، لكننا التزمنا به في النهاية.
ماذا يعني 47% فعلًا؟
فاز حزب العدالة والتضامن بنحو 47% من أصوات مقديشو. وبوصفي نائب الأمين العام للحزب، قدت الانتخابات التمهيدية وساهمت في تنسيق الحملة. هذا الرقم يمثل حقيقة لا يستطيع المنتقدون إنكارها: في ساحة تنافسية تضم عدة أحزاب، اختار ما يقارب نصف الناخبين تأييد رؤية الرئيس لمستقبل الصومال.
لم يكن ذلك تتويجًا شكليًا. بل منافسة حقيقية اضطرت فيها الأحزاب إلى إقناع الناخبين، لا شيوخ القبائل. طرق فيها المرشحون الأبواب بدل عقد الصفقات في الفنادق. وجاءت النتائج من صناديق الاقتراع، لا من غرف التفاوض.
رقم المشاركة (233 ألف ناخب) يحتاج إلى سياق. كانت هذه أول عملية تسجيل ناخبين بيومترية في تاريخ الصومال. وأول مرة يرى فيها كثير من الصوماليين ورقة اقتراع. وأول انتخابات تُجرى في ظل تهديدات نشطة من حركة الشباب. الوصول إلى مشاركة من ستة أرقام في هذه الظروف ليس فشلًا، بل دليل على أن النظام يعمل.
ما الذي صنع الفارق؟ القيادة
عملت في السياسة الصومالية ما يكفي لأعرف أن الأفكار الجيدة تموت من دون قيادة. إدارات سابقة تحدثت لسنوات عن الانتخابات. عقدت مؤتمرات. أصدرت قرارات. لكن شيئًا لم يُنفّذ.


