في ظل تصاعد تنافس القوى الكبرى واضطراب النظام الدولي، يواجه الصومال تحديات متزايدة تمس سيادته ووحدة أراضيه. وفي هذا السياق، يقدّم عمر أحمد معو، المحلل الأمني وطالب الدكتوراه في دراسات الأمن، قراءة تحليلية تؤكد أن حماية الصومال لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مواءمة استراتيجية متكاملة بين الأمن والدفاع والسياسة الخارجية ضمن رؤية وطنية موحدة.
1. الاضطراب العالمي والبيئة الاستراتيجية الجديدة
يدخل النظام الدولي مرحلة من الاضطراب العميق. وخلال العام الماضي، تصاعدت التوترات بين القوى الكبرى مع استمرار تآكل الأعراف الدبلوماسية التقليدية. فقد أسهم التقارب المتزايد بين الصين وروسيا في مواجهة الولايات المتحدة، وتنامي الخلافات بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حول مناطق استراتيجية مثل القطب الشمالي وغرينلاند، والعمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، وتصاعد التوتر حول تايوان بين الصين والولايات المتحدة، وتجدد الاشتباكات بين الهند وباكستان، وضم روسيا لأراضٍ أوكرانية، وتوسع العقوبات الاقتصادية، والاستيلاء على أصول طاقة استراتيجية، واعتقال قادة سياسيين—كل ذلك أسهم في خلق مناخ من الأزمات العالمية المتواصلة. إن البيئة الدولية المعاصرة ليست غير مستقرة فحسب، بل تتسم باضطراب هيكلي عميق.
2. هشاشة الصومال في عالم متشظٍ
بالنسبة للدول الصغيرة والهشة مثل الصومال، فإن هذا الاضطراب العالمي ليس أمرًا نظريًا. بل يشكل تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها. لقد واجهت سيادة الصومال تحديات مستمرة لعقود، غير أن التطورات الأخيرة زادت من حدة هذه الضغوط. فمحاولات إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند، والاتفاق البحري بين إثيوبيا وصوماليلاند، والنزاع البحري الطويل بين كينيا والصومال، وتنامي دور دولة الإمارات العربية المتحدة، تمثل جميعها نمطًا متكررًا من التدخل الخارجي في الاستقلال السياسي للصومال ووحدة أراضيه.
3. الاستجابة الاستراتيجية للصومال
جاء رد الصومال مدروسًا واستباقيًا. إذ انتهجت الحكومة الفيدرالية الصومالية دبلوماسية استراتيجية تهدف إلى تعزيز السيادة الوطنية والمكانة الدولية. وقد أسهمت اتفاقيات الدفاع والأمن مع تركيا ومصر وإريتريا وجيبوتي في تعزيز مصداقية الصومال الإقليمية ووضعه الاستراتيجي. ولم تكن هذه الاتفاقيات مجرد خطوات رمزية، بل أدوات عملية تهدف إلى حماية المصالح الوطنية الجوهرية.
إن تنامي نفوذ دولة الإمارات في إعادة تشكيل سياسات الموانئ في البحر الأحمر، وتورطها في مبادرات مرتبطة بصوماليلاند، دفع الصومال في نهاية المطاف إلى إنهاء جميع الاتفاقيات الرسمية مع أبوظبي. ولم يكن هذا القرار مجرد خلاف دبلوماسي، بل تأكيدًا حاسمًا على سلطة الدولة السيادية.
4. الدرس الاستراتيجي: المواءمة ضرورة لا غنى عنها
تكشف تجربة الصومال عن درس محوري في الجغرافيا السياسية المعاصرة: لا يمكن حماية السيادة بالدبلوماسية وحدها، ولا بالقوة العسكرية وحدها. بل تتطلب مواءمة دقيقة بين سياسة الأمن، واستراتيجية الدفاع، والسياسة الخارجية ضمن رؤية وطنية موحدة.
تعتمد الدول الفاعلة على إطار استراتيجي متدرج. إذ تحدد استراتيجية الأمن القومي المصالح الوطنية الأساسية، مثل السيادة، وسلامة الأراضي، والاستقرار الاقتصادي، والقيم الوطنية. وتترجم استراتيجية الدفاع الوطني هذه الأولويات السياسية إلى متطلبات عسكرية تشمل تقييم التهديدات، وتوزيع القوات، وقرارات الانتشار. أما إطار السياسة الخارجية فيوضح كيف تسهم الدبلوماسية والتحالفات والشراكات الدولية في تحقيق الأهداف الوطنية ذاتها.
وعندما تختل هذه المواءمة، تفقد الدول تماسكها. فقد يلتزم الدبلوماسيون بأهداف لا تستطيع الجيوش دعمها، أو تستعد الجيوش لتهديدات لا تعالجها الدبلوماسية، أو تُموَّل القدرات الدفاعية بمعزل عن الأولويات الوطنية الحقيقية. ويصبح التنافر الاستراتيجي مصدرًا للضعف.
5. الغايات والوسائل والموارد: الضرورة الاستراتيجية للصومال
تقوم كل استراتيجية وطنية فعّالة على منطق بسيط: الغايات، والوسائل، والموارد. فالغاية بالنسبة للصومال واضحة—الحفاظ على السيادة وسلامة الأراضي. أما الوسائل فيجب أن تشمل تحالفات إقليمية قوية، وردعًا متكاملًا يجمع بين الدبلوماسية والدفاع والأدوات الاقتصادية، وشراكات دفاعية مختارة بعناية. وتتمثل الموارد في استثمارات دفاعية تتوافق مع التهديدات الفعلية، وقدرات موثوقة للأمن البحري، وأصول سيبرانية واستخباراتية، ووضع إقليمي مرئي للقوات يعزز الالتزامات الدبلوماسية. وإذا غاب أحد هذه العناصر، ضعفت البنية الاستراتيجية بأكملها.



