في الآونة الأخيرة، تعرّض الأمريكيون من أصول صومالية لحملة تشويه ممنهجة ومستمرة، تُصوّرهم على أنهم عبء على المجتمع الأمريكي، ومعادون للثقافة والقيم الأمريكية. وقد بدأت هذه الحملة تقريبًا مع إعادة انتخاب دونالد ترامب، أي قبل أكثر من عام. ترامب، الذي اعتاد منذ ولايته الأولى توجيه الإهانات للشعوب الإفريقية، صعّد مؤخرًا هجماته ضد الصوماليين بشكل تمييزي واضح. ففي مناسبات عدة، استخدم بحقهم أوصافًا مهينة، واصفًا إياهم بـ«القمامة»، ومتهمًا إياهم بالفساد، وواسمًا إياهم بالقراصنة، وقائلًا إنهم يأتون من أسوأ دولة في العالم، وإنهم لا يقدّمون شيئًا للمجتمع الأمريكي، إلى جانب إهانات أخرى.
ولم تقتصر إساءات ترامب على الجالية الصومالية عمومًا، بل طالت أيضًا النائبة في الكونغرس إلهان عمر، ممثلة الدائرة التي تضم أكبر تجمع صومالي في ولاية مينيسوتا. فقد وصفها ترامب بأنها «قمامة»، وقال إنها تستحق الترحيل من الولايات المتحدة، واتهمها بالسرقة، بل وصل به الأمر إلى وصفها بألفاظ نابية ومهينة.
ولا تقف هذه الحملة التحريضية عند حدود ترامب وحده، بل يشارك فيها سياسيون جمهوريون، ومتبرعون أثرياء، وشخصيات إعلامية يمينية متطرفة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الإعلامي تاكر كارلسون، الذي بات يُنظر إليه مؤخرًا كأحد أبرز رموز حركة «ماغا». ففي 18 ديسمبر 2025، بث كارلسون مقطع فيديو مطولًا استمر ساعة وثماني عشرة دقيقة، تحدث فيه عمّا وصفه بـ«الغزو الصومالي» لأمريكا. وزعم أن الصوماليين في مينيسوتا يرفضون الاندماج في المجتمع الأمريكي، ويتعمدون العزلة، وأن معظمهم لا يتحدثون اللغة الإنجليزية. كما اتهم النائبة إلهان عمر بعدم الولاء للقَسَم الذي أدّته لحماية مصالح الولايات المتحدة وسيادتها، مستشهدًا بتصريحات سابقة لها في منتديات صومالية، مثل وصفها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بأنه «رئيسنا».
وتصاعدت وتيرة هذه الحملة بشكل أكبر عندما نشر نيك شيرلي، وهو يوتيوبر مقرّب من تيار «ماغا»، فيديو دعائيًا استهدف الصوماليين في ولاية مينيسوتا. وادّعى شيرلي أنه أجرى تحقيقًا حول مراكز رعاية أطفال يديرها صوماليون. الفيديو، الذي حمل عنوان «حققتُ في فضيحة احتيال بمليارات الدولارات في مينيسوتا»، بلغت مدته 43 دقيقة، وانتشر على نطاق واسع، خصوصًا على منصة «إكس» حيث حصد أكثر من 138 مليون مشاهدة. وقد ساهمت شخصيات جمهورية بارزة مثل نائب الرئيس "جي دي فانس" و"إيلون ماسك" في الترويج للفيديو، كما جرى تداول مقاطع قصيرة وصور ورسومات كاريكاتيرية مستمدة منه، ما أجّج الجدل العام.
وفي الفيديو، زعم نيك شيرلي أنه كشف شبكة احتيال يُفترض أنها تُدار من قبل بعض مقدمي خدمات رعاية الأطفال من الصوماليين في مينيسوتا. وادعى أن هذه المراكز تحصل على أموال حكومية بطرق احتيالية عبر تقديم أسماء أطفال وهمية، مستندًا في ذلك أساسًا إلى عدم مشاهدته أطفالًا أثناء التصوير. ويُظهر الفيديو شيرلي وشخصًا آخر وهما يزوران عددًا من المراكز، كان بعضها مغلقًا في ذلك الوقت، فيما رفضت مراكز أخرى السماح لهما بالدخول. وفي نهاية الفيديو، حمّل شيرلي حكومة ولاية مينيسوتا المسؤولية عن أي تقصير أو مخالفات محتملة.
ومن أكثر التفاصيل عبثية التي أثارت تفاعلًا واسعًا، لافتة كُتب عليها «Quality Learning Center» مع غياب حرف N من كلمة «Learning» في اللوحة الأصلية. وقد استغل العنصريون والانتهازيون هذا الخطأ الإملائي بوصفه «دليلًا» مزعومًا على الاحتيال الصومالي.
حتى الآن، لم تُثبت أي محكمة صحة الادعاءات التي طرحها نيك شيرلي. وعلى العكس من ذلك، أعلنت إدارة شؤون الأطفال والشباب والعائلات في ولاية مينيسوتا أن التحقيقات الأولية أكدت أن عشرة من المراكز التي ورد ذكرها في الفيديو كانت تعمل بشكل طبيعي، باستثناء مركز واحد كان مغلقًا في ذلك اليوم. وأكدت الإدارة أن الفيديو يتضمن ادعاءات غير موثقة وقد يكون مضللًا. كما قامت محطة WCCO-TV المحلية بإجراء تحقيق مستقل دحض عددًا من مزاعم شيرلي.
ومع ذلك، بدا أن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية تفاعلت بشكل متسرع، إذ قررت تعليق التمويل الفيدرالي لبرامج رعاية الأطفال في ولاية مينيسوتا.
وخلال عام واحد فقط من وجوده في السلطة، اتخذت إدارة ترامب عدة إجراءات ألحقت ضررًا مباشرًا بالصوماليين داخل الولايات المتحدة وخارجها. من بين أولى هذه الخطوات إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، وهي أكبر جهة مانحة للصومال. كما أُدرج الصومال ضمن قائمة الدول المحظور دخول مواطنيها إلى الولايات المتحدة، وأُلغي وضع الحماية المؤقتة (TPS) للصوماليين، الذي كان يتيح لهم الإقامة القانونية ويحميهم من الترحيل. والآن، يسعى ترامب وحلفاؤه إلى تصعيد الاتهامات عبر الزعم بأن الأمريكيين من أصول صومالية يموّلون حركة الشباب.
وفي 2 ديسمبر 2025، نشر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على منصة «إكس» أن وزارته ستفتح تحقيقًا بشأن مزاعم تفيد بتحويل أموال دافعي الضرائب في مينيسوتا إلى حركة الشباب خلال إدارة بايدن وتحت حكم الوالي “تيم والز". ومنذ أواخر نوفمبر 2025، تداولت جماعات يمينية تقريرًا دعائيًا نشرته مجلة «سيتي جورنال» المحافظة بعنوان: «أكبر ممول لحركة الشباب هو دافع الضرائب في مينيسوتا».
في المقابل، رفض الحزب الديمقراطي، الذي دعم باستمرار الأمريكيين من أصول صومالية، هذه الادعاءات التي وصفها بأنها قائمة على العنصرية والمعلومات المضللة. وأكد حاكم ولاية مينيسوتا أن من الخطأ تعميم الاتهامات على مجتمع بأكمله وتعريضه للخطر دون أدلة. كما شدد المدعي العام السابق للولاية، آندي لوغر، الذي خدم في إدارتي أوباما وبايدن، على أن الصوماليين المدانين في قضية «Feeding Our Future» كانوا مدفوعين بالجشع الشخصي، لا بتمويل منظمة إرهابية.
ومن الصحيح القول إن ليس كل الصوماليين في مينيسوتا مجرمين، كما أنهم ليسوا جميعًا أبرياء. فمن الثابت أن بعض الصوماليين تورطوا في قضايا فساد، أبرزها فضيحة «Feeding Our Future» خلال جائحة كورونا، التي سُرق فيها نحو 250 مليون دولار، وأُدين حتى الآن 62 شخصًا، غالبيتهم من الصوماليين. وفي عام 2025، أُدين شخصان صوماليان بسرقة أموال من برنامج لرعاية مرضى التوحد، كما توجد قضايا أخرى قيد التحقيق تتعلق بسوء استخدام أموال برنامج «Housing Stabilization Services».
غير أن الفساد المتعلق بأموال دافعي الضرائب ليس حكرًا على الصوماليين ولا على ولاية مينيسوتا، بل هو ظاهرة منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة، ويشارك فيها أفراد من مختلف الخلفيات العرقية. ومن الأمثلة على ذلك قضايا احتيال قروض «PPP» في أريزونا بقيمة 109 ملايين دولار، وفي إلينوي بقيمة 83 مليون دولار، وفي تكساس بقيمة 53 مليون دولار، وفي كاليفورنيا بقيمة 27 مليون دولار، دون أن يكون للصوماليين علاقة بأي منها.
وفي 2 يناير 2026، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مقال رأي بعنوان «مينيسوتا ليست المغناطيس الوحيد لسوء استخدام أموال الرعاية»، استعرضت فيه قضايا فساد في مدينة وولاية نيويورك، من بينها منح عمدة المدينة السابق إريك آدامز عقدًا بقيمة 432 مليون دولار دون مناقصة لشركة «DocGo» لإسكان المهاجرين، رغم افتقارها للخبرة. وأظهرت التحقيقات لاحقًا أن 11 مليون دولار من أصل 13.8 مليون صُرفت خلال شهرين لم يُعرف مصيرها، ومع ذلك استمر العقد. كما أشار المقال إلى أن جميع الوكالات الـ51 المتعاقدة مع مكتب العمدة ارتكبت مخالفات، وأن 80% منها ارتكبت ثلاث مخالفات على الأقل. كما وُجهت انتقادات لحاكمة الولاية "كاثي هوكول" لمنحها عقدًا بقيمة 600 مليون دولار لشركة يملكها أحد المتبرعين لحملتها الانتخابية دون منافسة.
ويختصر مثل صومالي من مقديشو هذه الحالة بالقول: «كل الدجاج يأكل القاذورات، لكن مناقيرها ليست بطول واحد».
فلماذا يركّز السياسيون الجمهوريون والإعلام اليميني على فساد الأمريكيين من أصول صومالية؟ ترى وسائل إعلام مؤيدة للديمقراطيين أن الحملة ذات دوافع سياسية. فانتخابات حاكم ولاية مينيسوتا مقررة في نوفمبر 2026، ويسعى الجمهوريون إلى انتزاع الولاية من الديمقراطيين الذين يحكمونها منذ 2011. ويُنظر إلى تشويه سمعة الصوماليين كوسيلة لإضعاف الدعم الشعبي لقيادات ديمقراطية مثل تيم والز، رغم إعلانه في 5 يناير 2026 عدم ترشحه لولاية ثالثة.
كما تقترب الانتخابات النصفية للكونغرس، ما يجعل شيطنة الصوماليين جزءًا من استراتيجية انتخابية أوسع، وربما أداة لصرف الانتباه عن قضايا أخرى، مثل فضيحة "جيفري إبستين" أو الجدل حول النفوذ الإسرائيلي في السياسة الأمريكية عقب مقتل تشارلي كيرك.
لقد استُهدف الأمريكيون من أصول صومالية، الذين لا تتجاوز نسبتهم 0.08% من سكان الولايات المتحدة، لأنهم فئة ضعيفة سياسيًا ولا تقف وراءهم دولة قوية. وكما يُقال، فهم «فقراء يسهل الدوس عليهم». لقد تحوّل الصوماليون إلى كبش فداء يُستخدم لإخفاء إخفاقات السياسات، ولإرسال رسائل لقاعدة ترامب بأن وعود تشديد الهجرة تُنفذ.
وفي الختام، فإن الصوماليين في الداخل وفي الشتات مثقلون أصلًا بتحدياتهم الخاصة، ولا يملكون الكثير ماديًا لمساندة الأمريكيين من أصول صومالية. لكن أقل ما يمكنهم فعله هو المساهمة في مواجهة حملات الكراهية والعنصرية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والدفاع عن كرامة الشعب الصومالي في وجه هذا التشويه المنظم.
⸻
[1] Tucker Carlson on the Somali Invasion and the Self-Loathing Ideology Destroying America. By: Tucker Carlson. Date: 18/12/2025.
https://www.youtube.com/watch?v=IC_4mzDIT4M&t=2202s
[2] I Investigated Minnesota’s Billion Dollar Fraud Scandal. By: Nick Shirley. Date: 26/12/2025.
https://www.youtube.com/watch?v=r8AulCA1aOQ&t=2s
[3] Minnesota child care centers accused of wrongdoing were operating as expected, report says. By: Rebekah Riess and Ray Sanchez. Date: 03/01/2026.


