لأكثر من سبعين عامًا، ظلّت القضية الفلسطينية المحور المركزي لسياسات الشرق الأوسط. فهي صراع يتجاوز الحدود، ويُعيد تشكيل التحالفات، ويُضفي الشرعية على أشكال المقاومة، ويختبر مصداقية القانون الدولي.
وأي نقاش جاد حول السلام في المنطقة لا بد أن يتعامل ليس فقط مع الوقائع السياسية، بل أيضًا مع الأسس القانونية والأخلاقية. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة السلام العربية (2002) واتفاقات أبراهام (2020) بوصفهما إطارين متنافسين يعكسان مقاربتين مختلفتين جذريًا لحل الصراع.
مبادرة السلام العربية: سلام مشروط بالعدالة
انبثقت مبادرة السلام العربية في لحظة نادرة من التوافق العربي. فقد أُقرت في قمة بيروت بوصفها عرضًا شاملًا ومبدئيًا: تطبيع كامل مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين استنادًا إلى القانون الدولي.
كان منطق المبادرة تسلسليًا ومشروطًا؛ إذ لم يكن السلام نقطة بداية، بل نتيجة تُكتسب عبر الالتزام بالمعايير المعترف بها دوليًا.
في جوهرها، سعت المبادرة إلى ترسيخ العدالة كأساس للنظام الإقليمي. ومن خلال الاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، ارتقت بالقضية الفلسطينية من نزاع ثنائي إلى مسألة تتعلق بالشرعية الدولية.
ورغم رفض إسرائيل للمبادرة وضعف آليات التنفيذ الدولية، احتفظ الإطار بوزنه السياسي والأخلاقي. فقد حافظ على الحد الأدنى من وحدة الموقف العربي، وصان الحقوق الفلسطينية، وطرح خريطة طريق لتسوية شاملة بدلًا من معالجات جزئية ومجزأة.
اتفاقات أبراهام: تطبيع بلا تسوية
تمثل اتفاقات أبراهام قطيعة واضحة مع هذا النموذج. فبعد قرابة عقدين، قُدمت بوصفها اختراقًا في مسار السلام، لكنها أعادت تعريف مفهوم السلام ذاته. فبدل معالجة قضايا الاحتلال والحدود واللاجئين والقدس، ركزت الاتفاقات على التطبيع الفوري بين إسرائيل وبعض الدول العربية المختارة. وتم استبعاد القضية الفلسطينية عمدًا من طاولة التفاوض، والتعامل معها كعقبة لا كشرط مسبق.
ويعكس هذا التحول تغيرًا أوسع في السياسات الإقليمية، حيث طغت المصالح الدولتية—كالتعاون الأمني، والاندماج الاقتصادي، والاصطفاف الاستراتيجي—على الالتزامات العربية الجماعية. ويجادل أنصار الاتفاقات بأنها تعبير عن “واقعية براغماتية” تتيح للدول ملاحقة مصالحها الوطنية دون الارتهان لصراع مستعصٍ. غير أن الواقعية المنفصلة عن الشرعية والعدالة تنطوي على مخاطر بنيوية عميقة.
النفوذ، والقانون الدولي، ووحدة الموقف
يبرز الفارق الجوهري بين الإطارين في مفهوم النفوذ. فقد استخدمت مبادرة السلام العربية التطبيع كأداة ضغط لإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي. أما اتفاقات أبراهام، فقد منحت التطبيع سلفًا، متخلية عن النفوذ دون ضمان أي تنازلات جوهرية. وقد قلب هذا النهج منظومة الحوافز، مُرسلًا إشارة مفادها أن الاحتلال لم يعد عبئًا دبلوماسيًا.
كما يختلف الإطاران في علاقتهما بالقانون الدولي. فقد عززت المبادرة العربية مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وعدم شرعية الاحتلال مهما طال أمده. في المقابل، أضعفت اتفاقات أبراهام هذا المبدأ عبر تطبيع العلاقات دون معالجة قانونية أفعال إسرائيل في الأراضي المحتلة، ما ساهم في تقويض مبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة، وهو أحد أعمدة النظام القانوني الدولي.
أما على صعيد وحدة الموقف العربي، فقد جسدت المبادرة العربية صوتًا جماعيًا ومسؤولية مشتركة. بينما أسهمت اتفاقات أبراهام في تفتيت هذا الإجماع، محولة قضية إقليمية إلى حسابات ثنائية منفصلة، الأمر الذي أضعف القدرة التفاوضية الجماعية وعمّق الاستقطاب السياسي داخل العالم العربي.
تهميش الفاعل الفلسطيني
يتجلى التباين أيضًا في موقع الفلسطينيين ضمن كل إطار. فقد وضعت مبادرة السلام العربية الفلسطينيين في قلب معادلة السلام، باعتبارهم شعبًا صاحب حقوق غير قابلة للتصرف. بينما همّشتهم اتفاقات أبراهام، واختزلت الصراع إلى ملف ثانوي يُدار بدلًا من أن يُحل.



