عندما تحدث زعيم العالم الإسلامي، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ثم أعقب ذلك ظهور علني لـ وزير الخارجية التركي في مقابلة إعلامية، برزت رسالة واحدة بوضوح: الوحدة.
ليست وحدةً شعرية أو خطابية، بل وحدة بوصفها سياسة. فقد جرى التعامل مع اليمن والصومال باعتبارهما دولتين كاملتي السيادة، لا كأجزاء قابلة للتجزئة أو المساومة أو الاختبار.
«العالم الإسلامي استيقظ من سبات عميق دام مئة عام».
لم يكن هذا التعبير اختيارًا لغويًا عابرًا. فالقادة الكبار لا يكررون الرسائل اعتباطًا، بل يستخدمونها للإشارة إلى النية السياسية وتحديد الحدود والقيود في آن واحد.
اليوم، بات التحرك السعودي والتركي في واشنطن علنيًا ومتواصلًا، وهو ما يحمل دلالات سياسية مهمة. فقد نقل هذا التحرك القضية من إطار الجدل النظري إلى مستوى التبعات السياسية المباشرة. ولم يعد السؤال المطروح أمام إسرائيل افتراضيًا، بل أصبح محددًا وواضحًا:
هل تتراجع عن اعترافها غير القانوني بكيان انفصالي في شمال الصومال، أم تمضي قدمًا وتغامر بتوسيع دائرة الصراع؟
الاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي يرسمان خطًا أحمر
لم يترك الاتحاد الإفريقي ولا منظمة التعاون الإسلامي أي مجال للغموض. فقد عبّرت مواقفهما عن دعم واسع لسيادة الصومال ووحدة أراضيه. وفي هذا السياق، تبدو الخطوة الإسرائيلية أقرب إلى استفزاز سياسي متعمّد منها إلى تحرك دبلوماسي مشروع.
فالقرار يتعارض مع القانون الدولي، ويقوّض مبدأ الوحدة الإفريقية، ويهدد بإرباك توازنات سياسية هشّة أصلًا في منطقة القرن الإفريقي.
وفي منطقة لا تزال قضايا الحدود والشرعية فيها شديدة الحساسية، لا تتحرك مثل هذه القرارات في فراغ. فهي تُحدث ارتدادات واسعة، وغالبًا ما تتجاوز آثارها حدود النوايا الأولية.
لماذا يغيّر البحر الأحمر كل شيء
الجغرافيا وحدها كفيلة بفرض إعادة الحسابات. فمدخل البحر الأحمر بالغ الأهمية، وباب المندب بالغ الحساسية، والقرب من اليمن عامل لا يمكن تجاهله. لا شيء في هذا الممر الاستراتيجي يبقى محصورًا أو قابلًا للاحتواء لفترة طويلة.
بالنسبة لـ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم يعد الخطر مقتصرًا على الاحتجاجات داخل إسرائيل. التهديد الأكبر يتمثل في تآكل الغطاء الدبلوماسي الصامت في الخارج. فقد وفّر محررون ودبلوماسيون وناخبون معتدلون في العواصم الغربية لإسرائيل غطاءً سياسيًا لسنوات، إلا أن هذا الغطاء بدأ يضعف بوضوح.
الرأي العام يتحول، وبصورة غير خفية. كثيرون باتوا يرون دولة تتصرف بطرق تتناقض مع القيم التي تدّعي الدفاع عنها، وهو تحول له تبعات سياسية حقيقية، في وقت يضيق فيه هامش المناورة أمام نتنياهو بسرعة.
كما يبدو أن إسرائيل قلّلت من تقدير حجم رد الفعل في العالم الإسلامي. فالموقف لم يصدر عن عاصمة واحدة، بل جاء متعدد المستويات ومنسقًا. أنقرة أعلنت موقفها، الرياض أرسلت إشاراتها، ودول أخرى اصطفّت تباعًا.
جاء هذا الرد أوسع وأسرع مما كان متوقعًا، وهو ما اكتسب وزنًا إضافيًا في واشنطن، حيث لا تزال حسابات التحالفات والضغط السياسي ذات تأثير مباشر.
حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتراجع المرجّح
هذا المسار لا يخدم مصالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبما أنه لا يخدم مصالحه، فمن المرجح أن يسعى إلى إيقافه.
ترامب ليس عاطفيًا في قراراته. إنه يحسب الكلفة، ويقيس النفوذ، ويعدّ الجبهات المفتوحة. والمشهد الدولي اليوم مزدحم. فهو يخوض خلافات مع الاتحاد الأوروبي بسبب سياسات متهورة تتعلق بغرينلاند، كما يدخل في مواجهات خطابية مع روسيا والصين حول أمريكا اللاتينية، حيث تقف فنزويلا والرئيس نيكولاس مادورو في قلب هذا النزاع. وكل أزمة إضافية تضيق هامش حركته.
إضافة القرن الإفريقي إلى هذه القائمة لا تبدو خطوة منطقية. فالصومال ليس هامشيًا. إنه يقع على طرق شحن دولية حيوية، ويمس أمن البحر الأحمر، ويتقاطع مباشرة مع سياسات الخليج. والأهم من ذلك، أنه يضع تركيا والمملكة العربية السعودية في الإطار نفسه، وهو ما يكفي لإثارة قلق أي إدارة في البيت الأبيض.
القلق الأعمق ذو طابع استراتيجي. فلا قوة كبرى ترغب في تسريع تشكّل كتلة أمنية لا تستطيع توجيهها أو التحكم بها. والحديث عن تنسيق دفاعي محتمل بين تركيا والسعودية وباكستان لم يعد هامشيًا، بل بات يُناقش بجدية.
وجود باكستان، بما تمثله من قوة نووية وعمق عسكري، يغيّر قواعد اللعبة، ويجعل أي اصطفاف من هذا النوع محل متابعة دقيقة في جميع العواصم الكبرى.


