المقدمة
تواجه الصومال فجوات حرجة في مجال تنظيم الأدوية والتعليم الصيدلاني، ما يخلق اختلالات هيكلية عميقة تُقوّض جودة الأدوية وسلامة المرضى ومخرجات الصحة العامة على المستوى الوطني. فعلى الرغم من تزايد الاحتياجات الصحية بشكل سريع، تفتقر البلاد إلى هيئة وطنية فاعلة لتنظيم الأدوية، كما تفتقر إلى برامج أكاديمية معتمدة قادرة على إعداد رأس المال البشري اللازم لإدارة جهاز تنظيمي مهني ومتكامل.
وقد أسهم هذا الفراغ المؤسسي في الانتشار الواسع للأدوية المغشوشة والمتدنية الجودة، وضعف أنظمة التيقظ الدوائي، ومحدودية قدرات الفحص المخبري، وتشتت حوكمة قطاع الدواء. وتتفاقم هذه التحديات بفعل الحدود المفتوحة، والاستيراد غير المنظم، وغياب الرقابة الكافية على الأجهزة الطبية والعلاجات المتقدمة.
تاريخيًا، لم تعرف الصومال منذ استقلالها عام 1960 وجود هيئة وطنية متكاملة لتنظيم الأدوية. وخلال الفترة من 1960 إلى 1969، تولت وزارة الصحة الإشراف على استيراد الأدوية، والتي كانت تعتمد إلى حد كبير على الدول والجهات المانحة. ولم يكن هناك تصنيع دوائي محلي يُذكر، بينما تلقّى الكادر المتخصص تعليمه في الخارج. ولم يشهد القطاع الدوائي تغيرًا جوهريًا خلال الفترة من 1969 إلى 1990.
وفي عام 1989، صدر قانون لتنظيم استيراد وتسجيل الأدوية، ووقع عليه رئيس الجمهورية آنذاك، وهو القانون رقم (9) بتاريخ 26 يناير 1989، ويتكون من سبع مواد. وقد نصت المادة الرابعة تحديدًا على تسجيل الأدوية وإنشاء لجنة مختصة داخل وزارة الصحة. غير أن اندلاع الحرب الأهلية بعد ذلك بوقت قصير حال دون تنفيذ هذا القانون.
وفي أعقاب الحرب الأهلية، عانت الصومال، بوصفها دولة هشة، من تفتت الحوكمة وضعف الرقابة التنظيمية ومحدودية الموارد البشرية، إلى جانب الانتشار الواسع للأدوية المغشوشة والمزيفة. ولم يتم اتخاذ خطوة مؤسسية ملموسة إلا في 19 فبراير 2023، حين أنشأت الحكومة الفيدرالية الصومالية، عبر وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، هيئة وطنية مؤقتة لتنظيم الأدوية (iNMRA)، استنادًا إلى القانون رقم (9)، وذلك بعد سلسلة من المحاولات التي بذلتها حكومات سابقة لإعادة بناء المؤسسات الصحية والسياسات والتعاون الدولي.
إن وجود هيئة وطنية فاعلة لتنظيم الأدوية يُعد أمرًا حاسمًا، إذ يشكّل التنظيم الدوائي والتعليم الصيدلاني العمود الفقري لأي نظام صحي فعّال. وتؤكد الأدلة أن الدول التي تمتلك سلطات تنظيمية قوية وكوادر صيدلانية مؤهلة تحقق مستويات أعلى من ضمان جودة الأدوية، وسلامة المرضى، وتحسين المؤشرات الصحية.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية (2017)، فإن واحدًا من كل عشرة أدوية متداولة في الدول الهشة، مثل الصومال، يكون إما مغشوشًا أو دون المواصفات. وتشير تقديرات أكثر إثارة للقلق صادرة عن برنامج الوكالة الإنمائية للاتحاد الإفريقي/مبادرة المواءمة التنظيمية للأدوية في إفريقيا (AUDA-NEPAD / AMRH) للفترة 2023–2024 إلى أن ما بين 40 و60 في المائة من الأدوية في الدول الهشة تندرج ضمن هذه الفئة. وتدعم دراسات علمية محكّمة نُشرت عام 2020 هذه النتائج.
وبالنظر إلى ثلاثة عقود من الانهيار المؤسسي في الصومال، فمن المنطقي الاستنتاج بأن الأدوية غير الآمنة تسببت في أضرار جسيمة. وفي ظل غياب بيانات رسمية عن الوفيات والمراضة، يُعتقد على نطاق واسع أن عدد الصوماليين الذين تضرروا من الأدوية المغشوشة يفوق من سقطوا بسبب الرصاص والقنابل.
ولا يزال السوق الدوائي في الصومال خاضعًا لهيمنة الاستيراد غير المنظم، وشبكات التوزيع غير الرسمية، وممارسات ضبط الجودة غير المتسقة. وتشكل هذه الاختلالات مخاطر صحية جسيمة في بلد يعاني من عبء الأمراض المعدية، وارتفاع وفيات الأمهات، وانتشار الأمراض المزمنة.
ومعالجة هذه التحديات تتطلب استثمارات جادة في التعليم العالي، وبرامج صيدلانية معتمدة، ومختبرات دوائية متخصصة، وهيئة وطنية مكتملة الصلاحيات لتنظيم الأدوية.
وتسعى هذه المقالة إلى تحليل الفجوات الهيكلية في المشهد التنظيمي والتعليمي الدوائي في الصومال، واقتراح إطار استراتيجي للإصلاح يتماشى مع أفضل الممارسات الإقليمية والدولية.
2. ضعف أو غياب هيئة وطنية فاعلة لتنظيم الأدوية
حتى اليوم، لا تمتلك الصومال هيئة وطنية مكتملة الوظائف قادرة على الإشراف الشامل على سوق الأدوية. ومن المتوقع أن تتولى أي هيئة تنظيمية فعالة مسؤولية تنظيم الأدوية، والأجهزة الطبية، واللقاحات، والعلاجات المتقدمة، وهي مهام تتطلب كفاءات بشرية عالية وتقنيات تنظيمية حديثة.
سوق دوائي غير منظم
تشمل أبرز التحديات الحدود المفتوحة التي تسمح باستيراد غير مراقب، والانتشار الواسع للأدوية المغشوشة والمتدنية الجودة، وغياب تطبيق ممارسات التوزيع الجيد (GDP)، وانتشار الصيدليات غير الرسمية التي يعمل فيها أشخاص غير مؤهلين.
محدودية القدرات المخبرية والتشخيصية
تفتقر الصومال إلى مختبرات معتمدة ومتوافقة مع ممارسات التصنيع الجيد (GMP) لفحص الأدوية قبل الاستيراد وخلال مرحلة ما بعد التسويق، ما يقوض بشكل خطير ضمان الجودة وإنفاذ اللوائح التنظيمية.
الانفصال عن جهود المواءمة الإقليمية
في ظل عولمة سوق الأدوية، لا تزال الصومال بعيدا إلى حد كبير عن مبادرات المواءمة التنظيمية الإقليمية والدولية، مثل الوكالة الإفريقية للأدوية، وآليات المراجعة المشتركة للملفات الدوائية، والتعاون مع هيئات مثل الوكالة الأوروبية للأدوية وهيئة تنظيم الأدوية البريطانية وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية.

