عند النظر إلى اتفاقات أبراهام التي وُقّعت عام 2020، يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد اتفاقات تطبيع ثنائية عابرة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. فهذه الاتفاقات، في بنيتها العميقة وسياقها التاريخي والسياسي، تبدو أقرب إلى فصل جديد من مشروع طويل الأمد، بدأ قبل أكثر من قرن مع وعد بلفور عام 1917، لكنه انتقل اليوم من مرحلة التأسيس الجغرافي القسري إلى مرحلة الدمج الإقليمي الشامل باستخدام أدوات أكثر نعومة وتعقيدًا.
وعد بلفور لم يكن مجرد رسالة سياسية قصيرة، بل كان إعلانًا استراتيجيًا استهدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذا الإعلان لم يأتِ من فراغ، بل سبقته عقود طويلة من العمل السياسي والدبلوماسي والتنظيمي للحركة الصهيونية، داخل أوروبا وخارجها، واستثمرت فيه موازين القوة الدولية آنذاك. وبعد 31 عامًا من الوعد، أُعلن قيام دولة إسرائيل عام 1948، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، اتسمت بالحروب العسكرية المباشرة، والنزوح الجماعي، وإعادة رسم الخرائط بالقوة.
غير أن قيام الدولة، رغم ما حققته من انتصارات عسكرية متكررة على جيوش عربية نظامية، لم يؤدِّ إلى قبولها إقليميًا. فقد بقيت إسرائيل دولة معزولة عن محيطها، محاطة برفض سياسي وشعبي واسع، ومحرومة من الاندماج الطبيعي في بيئتها الجغرافية. وحتى اتفاقات السلام المحدودة التي وُقّعت لاحقًا مع بعض الدول العربية، لم تُنهِ هذه العزلة على المستوى الإقليمي أو الشعبي، وبقيت إسرائيل تعتمد في أمنها وبقائها على دعم أمريكي متواصل وغير محدود، مكّنها من التفوق العسكري والتكنولوجي على جيرانها مجتمعين.
هذه العزلة، وليس فقط التهديد العسكري، شكّلت أحد أكبر التحديات الاستراتيجية لإسرائيل. فالدولة التي وُلدت بالقوة، وامتلكت تفوقًا عسكريًا واضحًا، أدركت مع مرور الوقت أن القوة وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار طويل الأمد، وأن القبول الإقليمي – ولو الجزئي – يمثل ركيزة لا غنى عنها لأي مشروع مستقبلي. من هنا يمكن قراءة اتفاقات أبراهام بوصفها محاولة للإجابة عن هذا التحدي التاريخي، لا عبر الحرب، بل عبر الاقتصاد، والأمن، والتكنولوجيا، والدبلوماسية.
اتفاقات أبراهام جاءت لتفتح فصلًا جديدًا في علاقة إسرائيل بالمنطقة العربية، سواء في جوارها المباشر أو في محيطها الأوسع. جوهر هذه الاتفاقات لا يكمن فقط في تبادل السفراء أو فتح خطوط الطيران، بل في مشروع أوسع يهدف إلى إنهاء عزلة إسرائيل ودمجها تدريجيًا في النظام الإقليمي العربي. ويتم هذا الدمج عبر مسارات متعددة: تعاون اقتصادي وتجاري، شراكات في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمياه، تنسيق أمني واستخباراتي، وصولًا إلى تطبيع ثقافي وسياسي يسعى إلى إعادة تعريف صورة إسرائيل في الوعي العام.
بهذا المعنى، يمكن القول إن اتفاقات أبراهام تمثل “النسخة الثانية” من وعد بلفور، ولكن بأدوات مختلفة وسياق دولي جديد. فبينما استهدف الوعد الأول إقامة كيان سياسي على أرض فلسطين، تستهدف الاتفاقات الجديدة تثبيت هذا الكيان في محيطه الإقليمي، وجعله جزءًا من منظومة المصالح العربية والإقليمية. وإذا كان الاستيطان البشري والعسكري هو أداة القرن العشرين، فإن “الاستيطان الناعم” الاقتصادي والثقافي والسياسي يبدو أداة القرن الحادي والعشرين.
اللافت في اتفاقات أبراهام أنها لا تُقدَّم بوصفها مشروعًا إسرائيليًا خالصًا، بل كمبادرة سلام إقليمية ذات رعاية دولية، تقودها الولايات المتحدة بوصفها الضامن السياسي والأمني. هذا الدور الأمريكي لا يقتصر على الرعاية الرمزية، بل يشمل تقديم ضمانات أمنية، وحوافز اقتصادية، ومشاريع استثمارية مشتركة، ما يجعل الانخراط في هذه الاتفاقات مغريًا لبعض الدول من زاوية المصالح المباشرة، خصوصًا في ظل أزمات اقتصادية أو تحديات أمنية إقليمية.
لكن السؤال المركزي ليس: ماذا حققت اتفاقات أبراهام حتى الآن؟ بل: ماذا تريد أن تحقق على المدى المتوسط والبعيد؟
عند قراءة مكونات هذه الاتفاقات، وما يتفرع عنها من مبادرات سياسية واقتصادية، يمكن تلمّس ما يشبه خارطة طريق مستقبلية. في حال نجاح هذا المشروع كما خُطِّط له، قد تتحول إسرائيل – بدعم أمريكي واضح – إلى قطب إقليمي في الشرق الأوسط، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا. وفي هذا السيناريو، تصبح تل أبيب، أو حتى القدس، مركزًا إقليميًا تستضيف المؤتمرات الاقتصادية والملتقيات السياسية، - وربما القمم- وتُنشأ فيها مكاتب دائمة لمنظمات إقليمية أو دولية، على غرار ما تمثله جنيف أو فيينا أو لندن أو روما في النظام الدولي.






