أثارت النقاشات المتكررة حول الاتفاقيات الخارجية للصومال—ولا سيما تلك المتعلقة بالموانئ والتعاون الأمني والترتيبات العسكرية—سوء فهم جوهري للنظام الدستوري القائم في البلاد. وفي صميم هذه الخلافات يبرز سؤال قانوني أساسي: هل تملك الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي الصومالي صلاحية إبرام اتفاقيات ملزمة بشكل مستقل مع حكومات أجنبية؟
وفقًا للدستور الصومالي المؤقت وللقانون الدولي، فإن الإجابة واضحة ولا لبس فيها: لا. فسلطة إدارة العلاقات الخارجية، وإبرام المعاهدات، وتمثيل الدولة الصومالية على الصعيد الدولي، هي اختصاص حصري للحكومة الفيدرالية الصومالية.
ولا تُعد هذه الحقيقة القانونية مسألة تأويل سياسي أو تفضيل مؤسسي، بل هي مستندة صراحة إلى نصوص الدستور الصومالي المؤقت، ومدعومة بمبادئ راسخة في القانون الدولي تحكم سيادة الدول وشخصيتها القانونية الدولية.
العلاقات الخارجية في الدستور الصومالي
يضع الدستور الصومالي المؤقت إطارًا واضحًا لتوزيع الصلاحيات بين المركز الفيدرالي والولايات الأعضاء. وتنص المادة 54 بوضوح على أن شؤون السياسة الخارجية والدبلوماسية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية تندرج ضمن الاختصاصات الحصرية للحكومة الفيدرالية.
ولا يترك هذا النص مجالًا للغموض. فبينما يسمح النظام الفيدرالي في الصومال باللامركزية في إدارة الشؤون الداخلية—كالإدارة المحلية وتقديم الخدمات والتنمية الإقليمية—فإنه لا يمتد إلى المجال الدولي. ولا تمتلك الولايات الفيدرالية، بموجب الدستور، صلاحية الاعتراف بالدول الأجنبية، أو التفاوض على المعاهدات، أو إبرام اتفاقيات عسكرية أو أمنية أو دبلوماسية مع حكومات أخرى.
والمنطق الدستوري هنا بسيط: الصومال دولة واحدة ذات سيادة، ولا يمكن تجزئة السيادة بين وحداتها المكوِّنة. وعليه، فإن التمثيل الدولي يجب أن تمارسه جهة واحدة نيابة عن الدولة بأكملها.
وغالبًا ما تستند محاولات بعض الإدارات الإقليمية لتبرير اتفاقيات خارجية مستقلة إلى قراءات انتقائية لمفهوم الفيدرالية أو إلى دساتير إقليمية. غير أن التراتبية الدستورية في الصومال تجعل من الدستور الوطني المرجعية العليا، ولا يجوز للدساتير الإقليمية أن تتعارض معه أو تنتقص من اختصاصاته. وأي إطار قانوني إقليمي يدّعي امتلاك سلطة العلاقات الخارجية يخرج عن المشروعية الدستورية، بغض النظر عن الوقائع السياسية على الأرض.
الفيدرالية لا تعني الشخصية القانونية الدولية
من النقاط الجوهرية التي يغفلها كثيرون في النقاش العام التمييز بين الاستقلال الذاتي الداخلي في النظام الفيدرالي، وبين الشخصية القانونية الدولية. فالفيدرالية تحدد كيفية تقاسم السلطة داخل الدولة، لكنها لا تحدد من يمثل الدولة خارجيًا.
وبموجب القانون الدولي، لا يملك أهلية إبرام المعاهدات سوى الكيانات التي تتمتع بالشخصية القانونية الدولية. وفي حالة الصومال، تقتصر هذه الشخصية على الحكومة الفيدرالية وحدها.
فالولايات الأعضاء كيانات إدارية وسياسية أنشأها الإطار الدستوري الوطني، وليست من أشخاص القانون الدولي. ولا يمكنها الادعاء بالمساواة السيادية أو أهلية إبرام المعاهدات أو التمثيل الدبلوماسي المستقل عن الدولة الفيدرالية.
وهذا المبدأ ثابت في جميع النظم الفيدرالية حول العالم. ففي دول مثل ألمانيا وإثيوبيا ونيجيريا والولايات المتحدة، قد تنخرط الكيانات دون الوطنية في أشكال محدودة من التعاون الفني أو الترويج التجاري في الخارج، ولكن دائمًا ضمن حدود يحددها الدستور الاتحادي، ودون أن تُنشئ التزامات دولية ملزمة على الدولة.
وفي الحالة الصومالية، فإن هذا الهامش—إن وُجد—يبقى ضيقًا للغاية. وأي تعامل مع حكومات أجنبية يترتب عليه آثار قانونية أو عسكرية أو دبلوماسية يتطلب موافقة صريحة من الحكومة الفيدرالية.
قانون المعاهدات والممارسة الدولية
يعزز الإطار الدولي المنظم للمعاهدات الموقف الدستوري الصومالي. فوفقًا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، لا يجوز إبرام المعاهدات إلا من قبل الدول أو الكيانات المعترف بها كأشخاص في القانون الدولي. وتُعد الاتفاقيات التي توقّعها جهات لا تملك أهلية إبرام المعاهدات باطلة قانونًا، بغض النظر عن تنفيذها العملي.
وعليه، فإن الحكومات الأجنبية التي تتعامل مباشرة مع إدارات إقليمية صومالية تفعل ذلك وهي معرضة لمخاطر قانونية. إذ لا تكتسب هذه الاتفاقيات أي صفة قانونية دولية ما لم تُعتمد من الحكومة الفيدرالية. وحتى إن نُفذت بحكم الأمر الواقع، فإنها تظل عرضة للإلغاء أو النزاع أو عدم الاعتراف الدولي.
ولهذا السبب، تصرّ معظم الدول والمنظمات الدولية على التعامل حصريًا مع السلطات الفيدرالية الصومالية في المسائل ذات الطابع السيادي. فمخالفة هذا النهج تقوّض مبدأ سيادة الدولة، وتعرّض الأطراف الخارجية لتعقيدات دبلوماسية وقانونية.
إساءة استخدام الفيدرالية في الجدل السياسي
تتمثل إحدى الإشكاليات المتكررة في الخطاب السياسي الصومالي في توظيف مفهوم الفيدرالية لتبرير الانخراط الخارجي الأحادي. وغالبًا ما تُصوَّر الفيدرالية على أنها تعني تقاسم السيادة أو تجزئتها، بينما هي في حقيقتها آلية لتنظيم توزيع السلطة داخل دولة ذات سيادة واحدة.
وقد صُمم النظام الفيدرالي في الصومال لمنع عودة المركزية المفرطة بعد عقود من الحكم السلطوي، لا لإقرار سياسات خارجية موازية. لذلك حافظ الدستور عمدًا على وحدة التمثيل الخارجي صونًا لوحدة الأراضي ومنعًا لتفكك الدولة على الصعيد الدولي.






