ملاحظة المحرر:
«يُنشر هذا المقال ردًّا على مقالٍ نُشر سابقًا في داون إفريكا وبوابة إفريقيا، طعن في عدد من الأطروحات التي وردت في مقال الرأي الأصلي للكاتب. وانطلاقًا من حرص المنصة على نقاشٍ بنّاء وشفاف، يقدّم الكاتب عمر عبدلى " طغي" هنا ردّه على ذلك النقد، موضحًا حججه ومعالجًا نقاط الخلاف التي أُثيرت في الرد السابق».
يثير تعليق الدكتور عُلُسو قضايا مهمّة تتعلق بعدم اكتمال النظام الدستوري في الصومال. غير أنّه، في جوهره، يقوم على خلطٍ أساسي بين ضعف المؤسّسات وبين السلطة الدستورية، وهو ما يقود إلى استنتاجات غير سليمة قانونيًا وقد تكون مُزعزِعة للاستقرار.
أولًا، إن الإقرار بعدم اكتمال النظام الفيدرالي في الصومال لا يُسقط الصفة الإلزامية للدستور الاتحادي المؤقّت. فالمادة (54) ليست طموحًا نظريًا مجرّدًا، بل هي نصّ نافذ وملزم. إن كون المراجعة الدستورية لم تكتمل، أو أنّ المؤسّسات تعاني ضعفًا، لا يعني تعليق توزيع الصلاحيات الدستورية. ولو كان عدم الاكتمال مبرّرًا لتجاهل الاختصاصات الدستورية، لانفرط عقد النظام الفيدرالي برمّته وتحول إلى سياسة تقديرية بلا ضوابط.
ثانيًا، لا «تُقيّد» المادة (53) المادة (54) على النحو الذي يذهب إليه الطرح المقابل. فالمادة (53) تُنشئ التزامات إجرائية بالتشاور، ولا تُنشئ نقلًا أو تقاسمًا لسلطة إبرام المعاهدات. التشاور واجب دستوري، لكنه لا يحوّل الولايات الأعضاء إلى فاعلين مستقلين في السياسة الخارجية. وقد يُشكّل إخفاق الحكومة الاتحادية في التشاور خرقًا دستوريًا، غير أنّ علاج هذا الخرق يكون بالامتثال أو بالتحكيم القضائي، لا بالإحلال الأحادي من قبل الولايات.
ثالثًا، إن الاستناد إلى القانون الدولي واتفاقية مونتفيديو في هذا السياق هو استناد في غير محلّه. فالشخصية القانونية الدولية للصومال غير محلّ نزاع. كما أنّ محدودية السيطرة الإقليمية، أو وجود بعثات حفظ سلام، أو النزاعات الداخلية، لا تُجزّئ سلطة إبرام المعاهدات بموجب القانون الدولي. ولو كان «الفعالية» هي المعيار كما يُفهم من طرح الدكتور عُلُسو، لكانت دول كثيرة من أعضاء الأمم المتحدة الخارجة من نزاعات قد فقدت وجودها القانوني. إن القانون الدولي لا يعترف بالوحدات دون الوطنية كجهات فاعلة في العلاقات الخارجية لمجرّد أن الحكومة المركزية تعاني قصورًا.
رابعًا، تحافظ المادة (142) على الصلاحيات القائمة للولايات الأعضاء ضمن الإطار الدستوري، ولا تُكرّس سيادات موازية، ولا تُجيز إبرام اتفاقيات خارجية مستقلة. فالحماية الانتقالية لا يمكن تفسيرها كتفويض في مجال العلاقات الخارجية، وهو مجال محجوز صراحة للحكومة الاتحادية.
خامسًا، إن الانتقادات المتصلة بالتطبيق الانتقائي للقانون، أو بتجاوزات السلطة التنفيذية، أو بضعف الرقابة البرلمانية، هي إخفاقات في الحوكمة، لا مبرّر لإعادة توزيع الاختصاصات. فلا يمكن معالجة سوء السلوك الاتحادي بإضفاء الشرعية على سلوك غير دستوري على مستوى الولايات. هذا المنطق يستبدل الدستورية بمنطق الردّ بالمثل.
أخيرًا، لا يستند الادعاء بأن السيادة «تعود» إلى الولايات أو المجتمعات عند ضعف المؤسّسات إلى أي أساس دستوري. فالمادة (46) تُقرّ بأن السيادة تعود إلى شعب الصومال مجتمعًا، وتُمارَس عبر المؤسّسات الدستورية، لا عبر تفتيت سلطة الدولة على أسس سياسية أو جهوية.
إن حجّتي لا تُنكر الحاجة إلى التشاور أو التعاون أو استكمال البناء الدستوري. لكنها تُصرّ، بحق، على أنّ العلاقات الخارجية لا يجوز لامركزتها افتراضيًا، ولا تحت ضغط الإحباط أو المساومة السياسية. فالفيدرالية التعاونية تتطلّب الالتزام بالأدوار الدستورية، لا تقويضها.
إن طريق الصومال إلى الأمام يكمن في إنفاذ الدستور القائم، واستكمال ما لم يكتمل منه، وتصحيح التجاوزات الاتحادية عبر القانون، لا عبر تطبيع دبلوماسيات موازية تُقوّض الدولة ذاتها.
مع فائق الاحترام،
⸻


