لم يأتِ عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير بـ«الوساطة» في نزاع نهر النيل من فراغ. فالتوقيت في السياسة عنصر حاسم، وهذا التوقيت بالذات يروي قصة واضحة. إنه ليس تعبيرًا عن ثقة، بل عن قلق.
لسنوات طويلة، لم تُبدِ واشنطن أي استعجال يُذكر إزاء أزمة النيل. تعثّرت المفاوضات، وواصلت إثيوبيا المضي قدمًا، وأطلقت مصر تحذيراتها، فيما اكتفت الولايات المتحدة بالمراقبة. أما الآن، وفجأة، يتحدث ترامب عن حماية الأمن المائي لمصر ومنع التصعيد. هذا التحول يستحق التوقف عنده.
لماذا الآن؟ لأن الخريطة الإقليمية تتغير.
لم تعد مصر تتحرك منفردة. فأنقرة والقاهرة عادتا إلى الحوار الجاد هذه المرة. ويتسع نطاق التنسيق مع السعودية. ولم تعد الحوارات العسكرية رمزية. كما بدأت المصالح البحرية تتقاطع. ما كان يبدو سابقًا مشهدًا مجزأً، بدأ يتحرك في اتجاه واحد. وهذا ما يقلق واشنطن، ويقلق إسرائيل أيضًا.
يقع البحر الأحمر والقرن الإفريقي في قلب هذا القلق. فهذان الإقليمان ليسا مجرد ساحات بعيدة، بل شرايين حيوية للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة والانتشار العسكري. وقد شكّل التحكم بهما لسنوات طويلة ركيزة أساسية في التخطيط الاستراتيجي الأميركي والإسرائيلي. غير أن هذا التحكم لم يعد مضمونًا.
ومن هنا، يجب قراءة عرض ترامب بـ«الوساطة». فهو أقل ارتباطًا بحل نزاع مائي، وأكثر صلة بإدارة دور مصر في نظام إقليمي آخذ في التحول.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تحاول واشنطن حل أزمة المياه؟
بل: هل تحاول تحييد مصر؟
تحييد دورها المتنامي في البحر الأحمر. إضعاف تقاربها مع تركيا. احتواء تنسيقها مع السعودية. وإعادتها إلى إطار مألوف تُمسك فيه واشنطن بزمام المبادرة وتحدد الحدود والسقف.
هكذا تتم المحافظة على النفوذ.
لاحظوا اللغة المستخدمة الآن: رفض الإجراءات الأحادية، منع التصعيد العسكري، حماية الاستقرار الإقليمي. هذه العبارات لا تظهر إلا عندما يصبح النفوذ مهددًا. لم تكن حاضرة عندما كانت إثيوبيا تسرّع وتيرة البناء، لكنها برزت الآن، مع اتساع خيارات مصر، ومع شعور إسرائيل والإمارات بمزيد من العزلة في العالمين العربي والإسلامي.
ما الذي تغيّر؟ ليس السد ذاته، بل ميزان القوى المحيط به.
إن بروز تقارب بين مصر وتركيا وباكستان والسعودية يحمل وزنًا حقيقيًا. فهو يجمع بين نفوذ بحري، وقدرات نووية، وقوة جوية، وتنسيق سياسي. وهو قادر على التأثير في باب المندب وفي عموم القرن الإفريقي. وهذه الإمكانية تهدد الترتيبات القائمة.
توترات البحر الأحمر ليست هامشية، بل في صلب ما يجري اليوم. فمع ازدياد الضغوط على طرق الشحن وتكاثر بؤر التوتر، تحوّل البحر الأحمر إلى اختبار استراتيجي لكل قوة كبرى لها مصالح في المنطقة. وبالنسبة للسعودية، فإن الأمر شخصي. فطرق تجارتها، وصادرات الطاقة، وطموحات «رؤية 2030» تمر جميعها عبر هذه المياه. عدم الاستقرار هنا ليس خطرًا نظريًا، بل تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا.
هذه الحقيقة دفعت الرياض إلى إعادة الانخراط، وإعادة التقييم، ومراجعة افتراضات قديمة. وكانت النتيجة تحوّلًا هادئًا لكنه جدي نحو تحالفات جديدة. فالسعودية باتت تنسّق بشكل أوثق مع قوى إقليمية تشترك في أولوية الاستقرار بدل الاستعراض. ولم تعد تركيا ومصر وغيرهما تعمل في جزر منفصلة، بل باتت تقارن المواقف، وتنسّق المصالح، وتبني جبهة مرنة لكنها هادفة. وعندما يسخن البحر الأحمر، تتشكّل التحالفات، وحين تتشكّل، فإنها تعيد رسم الخريطة.
في هذا السياق، يتجاوز سد النهضة كونه نزاعًا تقنيًا. ليصبح نقطة ضغط، وأداة للتأثير في السلوك، ووسيلة لإبطاء التقارب الاستراتيجي.

